|
تم القاء هذا البحث فى
المؤتمر العالمي الثامن للإعجاز العلمي في القرآن والسنة
الكويت- نوفمبر 2006م
بسم
الله الرحمن الرحيم
1- مقدمة:
الظلال هي إحدى النعم التي أنعم الله بها سبحانه وتعالى على البشر
خاصة في المناطق والبلاد الحارة، وقد نبه الله جل في علاه إلى هذه
النعمة العظيمة في قوله تعالى: "والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل
لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم
بأسكم، كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون" (النحل: 81).
الظل في اللغة نقيض الضح (بالكسر)، أو هو الفيئ أو هو بالغداة
والفيئ بالعشى، ومكان ظليل ذو ظل، والظلة شيء كالصفة يستتر به من
الحر والبرد، والظلال والمظلة (بالكسر والفتح) الكبير من الأخبية،
والظليلة مستنقع الماء في أسفل مسيل الوادي والروضة الكثيرة
الحرجات، والظلل الماء تحت الشجر لا تصيبه الشمس(1).
وفي المعجم الوجيز(2): الظل هو ضوء الشمس إذا استترت عنك بحاجز،
والظليل ذو الظل ويقال ظل ظليل أي دائم، وعلى ذلك فان الظل بمعناه
العام يشمل الخيال الناتج عن الأشياء في اتجاه سقوط أشعة الشمس.
ونظرا لأهمية الظلال بالنسبة لتوفير جو مريح بالنسبة للبشر خاصة في
المناطق الحارة، فلقد نبهت العديد من الآيات إلى أنواع الظلال
المختلفة، ومنها الظلال الناتجة عن الغمام (السحب) كما في قوله
تعالى: "وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى، كلوا من
طيبات مارزقناكم وماظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" (الأعراف:
160).
كما أوضحت آيات أخرى أن الظل الظليل هو إحدى المتع التي أعدها الله
سبحانه وتعالى لأهل الجنة، مصداقا لقوله تعالى:" والذين آمنوا
وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها
أبدا، لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا" (النساء: 57).
ويهدف هذا البحث إلى
دراسة ما جاء في بعض الآيات القرآنية الكريمة وتحديدا في ثلاث سور
هي الرعد والنحل والفرقان، والتي وتشير وتوضح أسلوب حركة الظلال،
وما يرتبط بذلك من ملامح اعجازية متعددة.
2- تفسير
الآيات الكريمة موضوع البحث:
حثت العديد من الآيات القرآنية على التدبر والنظر في ظاهرة الظل
والظلال، كأحد الظواهر اليومية التي يراها الإنسان في كل بقعة من
بقاع الأرض، لمعرفة أحد جوانب قدرة الله وعظمته سبحانه وتعالى، وقد
تم حصر هذه الآيات الكريمة كما جاء ترتيبها في سور القرآن الكريم
فيما يلي:
أ- يقول الله سبحانه
وتعالى:" ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم
بالغدو والآصال" (الرعد: 15).
أي أن كل شيء يسجد لله سبحانه وتعالى طوعا وكرها، وأن ظل هذه
الأشياء هي سجودها لله، ويقول ابن كثير(3): "وظلالهم بالغدو أي
البكرات، والآصال وهو جمع أصيل وهو آخر النهار".
ويقول الإمام القرطبى في تفسيره(4):" ظلال الخلق ساجدة لله تعالى
بالغدو والآصال لأنها تبين في هذين الوقتين، وتميل من ناحية إلى
ناحية، وذلك تصريف الله إياها على مايشاء، وهو كقوله تعالى:" أو لم
يروا إلى ماخلق الله من شيئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا
لله وهم داخرون" (النحل:48)..، والسجود بمعنى الميل فسجود الظلال
ميلها من جانب إلى جانب".
ب- كما يقول سبحانه
وتعالى:" أو لم يروا إلى ماخلق الله من شئ يتفيؤا ظلاله عن اليمين
والشمائل سجدا لله وهم داخرون" (النحل: 48).
حيث يخبر الله سبحانه وتعالى أن كل ماله ظل يتفيأ ذات اليمين وذات
الشمال أي بكرة وعشيا، فانه ساجد بظله لله تعالى، قال مجاهد: إذا
زالت الشمس سجد كل شئ لله عز وجل(5).
كما أورد الإمام الشوكانى في تفسير الآية الكريمة مايلى(6):" ..(تتفيؤا
ظلاله) قال أبو عبيد: أي يميل من جانب إلى جانب، ويكون أول النهار
على حال ويتقلص ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى، قال الأزهري:
تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لايكون إلا بالعشى
وما انصرف عنه الشمس والقمر، ومعنى (من شيء) من شئ له ظل، وهى
الأجسام فهو عام أريد به الخاص، وظلاله جمع ظل، وهو مضاف إلى مفرد
لأنه واحد يراد به الكثرة، (عن اليمين والشمائل) أي عن جهة أيمانها
وشمائلها: أي عن جانبي كل واحد منها، قال الفراء: وحد اليمين لأنه
أراد واحدا من ذوات الإظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها، لأن
ماخلق الله لفظة مفرد ومعناه جمع، وقال الواحدى: وحد اليمين
والمراد به الجميع إيجازا في اللفظ كقوله (ويولون الدبر) ودلت
الشمائل على أن المراد به الجمع، وقيل إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع
عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله (وجعل الظلمات والنور) و(ختم
الله على قلوبهم وعلى سمعهم)، وقيل المراد باليمين: النقطة التي هي
مشرق الشمس وأنها واحدة والشمائل عبارة عن الانحراف في فلك الإظلال
بعد وقوعها على الأرض وهى كثيرة، وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن
أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، (سجدا لله)
منتصب على الحال: أي حال كون الظلال سجدا لله، قال الزجاج: يعنى أن
الأشياء مجبولة على الطاعة..".وورد في تفسير البيضاوي(7):".. وقيل
المراد باليمين والشمائل يمين الفلك وهو جانبه الشرقي لأن الكواكب
تظهر منه آخذة في الارتفاع والسطوع، وشماله هو الجانب الغربي
المقابل له من الأرض، فان الظلال في أول النهار تبتدئ من المشرق
واقعة على الربع الغربي من الأرض، وعند الزوال تبتدئ من المغرب
واقعة على الربع الشرقي من الأرض".
ج- يقول جل في علاه:"
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل، ولو شآء لجعله ساكنا، ثم جعلنا الشمس
عليه دليلا، ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا، وهو الذي جعل لكم الليل
لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا" (الفرقان: 45- 47).
ورد في تفسير هذه الآيات الكريمة مايلى(8): ("أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ
رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ" هذه الرؤية إما بصرية، والمراد بها:
ألم تبصر إلى صنع ربك، أو ألم تبصر إلى الظل كيف مدّه ربك؟، وإما
قلبية بمعنى: العلم، فإن الظل متغير، وكل متغير حادث، ولكل حادث
موجد. قال الزجاج {أَلَمْ تَرَ} ألم تعلم، وهذا من رؤية القلب. قال:
وهذا الكلام على القلب، والتقدير: ألم تر إلى الظلّ كيف مدّه ربك؟
يعني: الظل من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس، وهو ظل لا شمس معه، وبه
قال الحسن وقتادة. وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها.
قال أبو عبيدة: الظل بالغداة، والفيء بالعشي، لأنه يرجع بعد زوال
الشمس، سمي فيئاً لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب، قال حميد بن
ثور يصف سرحة، وكنى بها عن امرأة:
فلا
الظلّ من برد الضحى تستطيعه
ولا الفيء من برد العشي تذوق
وقال ابن السكيت:
الظل: ما نسخته الشمس، والفيء: ما نسخ الشمس، وحكى أبو عبيدة عن
رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس، فزالت عنه، فهو فيء وظلّ، وما لم
تكن عليه الشمس، فهو ظلّ.
وحقيقة الظلّ: أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة،
وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع،
وينفر عنها الحسّ، الضوء الكامل لقوّته يبهر الحسّ البصري، ويؤذي
بالتسخين، ولذلك وصفت الجنة به بقوله:
"وَظِلّ مَّمْدُودٍ" (الواقعة)، وجملة: (وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ
سَاكِناً) معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه أي: لو شاء الله
سبحانه سكونه لجعله ساكناً ثابتاً دائماً مستقراً لا تنسخه الشمس،
وقيل: المعنى: لو شاء لمنع الشمس الطلوع، والأول أولى، والتعبير
بالسكون عن الإقامة، والاستقرار سائغ، ومنه قولهم: سكن فلان بلد
كذا: إذا أقام به، واستقرّ فيه.
وقوله:{ ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً } معطوف على
قوله:{ مَدَّ ٱلظّلَّ } داخل في حكمه أي: جعلناها علامة يستدل بها
بأحوالها على أحواله، وذلك لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في
الطريق من جهة أنه يزيد بها وينقص، ويمتد ويتقلص.
وقوله { ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ } معطوف أيضاً على مَدَّ داخل في حكمه.
والمعنى: ثم قبضنا ذلك الظلّ الممدود، ومحوناه عند إيقاع شعاع
الشمس موقعه بالتدريج حتى انتهى ذلك الإظلال إلى العدم والإضمحلال،
وقيل: المراد في الآية قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وهي
الأجرام النيرة، والأوّل أولى، والمعنى: أن الظلّ يبقى في هذا الجوّ
من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضاً،
وخلفه في هذا الجوّ شعاع الشمس، فأشرقت على الأرض، وعلى الأشياء
إلى وقت غروبها، فإذا غربت، فليس هناك ظلّ، إنما فيه بقية نور
النهار وقال قوم: قبضه بغروب الشمس، لأنها إذا لم تغرب، فالظلّ فيه
بقية، وإنما يتمّ زواله بمجيء الليل، ودخول الظلمة عليه.
وقيل: المعنى: ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء { قَبْضاً يَسِيراً }
ومعنى { إِلَيْنَا }: أن مرجعه إليه سبحانه كما أن حدوثه منه قبضاً
يسيراً أي: على تدريج قليلاً قليلاً بقدر ارتفاع الشمس، وقيل:
يسيراً سريعاً، وقيل: المعنى يسيراً علينا أي: يسيراً قبضه علينا
ليس بعسير.
ويقول الزمخشرى في
تفسيره(9):" ومعنى مد الظل أن جعله يمتد وينبسط فينتفع به الناس، "ولو
شاء لجعله ساكنا" أي لاصقا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجرة غير
منبسط فلم ينتفع به أحد، سمي انبساط الظل وامتداده تحركا منه وعدم
ذلك سكونا، ومعنى كون الشمس دليلا: أن الناس يستدلون بالشمس
وبأحوالها في مسيرها على أحوال الظل، من كونه ثابتا في مكان وزائلا
ومتسعا ومتقلصا، فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب
ذلك، وقبضه إليه: أنه ينسخه بضح الشمس (في القاموس الضح الشمس
وضوءها)، يسيرا أي على مهل...، فان قلت: ثم في هذين الموضعين كيف
موقعها؟، قلت: موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاثة، كان الثاني أعظم
من الأول والثالث أعظم منهما، تشبيها لتباعد ما بينها في الفضل
بتباعد ما بين الحوادث في الوقت.."
وورد عن "مد الظل" في تفسير التحرير والتنوير مايلى(10):"..وهذا
الامتداد يكثر على حسب مقابلة الأشعة (يقصد أشعة الشمس) للحائل (الجسم)
فكلما اتجهت الأشعة إلى الجسم من أخفض جهة كان الظل أوسع، وإذا
اتجهت إليه مرتفعة عنه تقلص رويدا رويدا إلى أن تصير الأشعة مسامتة
أعلى الجسم ساقطة عليه فيزول ظله تماما أو يكاد يزول، وهذا معنى
قوله تعالى:" ولو شاء لجعله ساكنا"، أي غير متزايد لأنه لما كان
الظل يشبه صورة التحرك أطلق على انتفاء الامتداد اسم السكون، بأن
يلازم مقدارا واحدا لاينقص ولايزيد، أى لوشاء الله لجعل الأرض
ثابتة في سمت واحد تجاه أشعة الشمس، فلا يختلف مقدار ظل الأجسام
التي على الأرض وتلزم ظلالها حالة واحدة فتنعدم فوائد عظيمة".
3- كيفية تكون
الظلال وأسلوب حركتها :
إن تكوّن الظل هو
أحد نتائج انتشار الضوء في خطوط مستقيمة، ويطلق تعبير الظل على
احتجاز النور عن منطقة ما بوجود حاجز معتم يعترض مسار موجات هذا
النور (الضوء المرئي) القادم من أحد مصادر الضوء في اتجاه
واحد(11).
وإذا تعرض أي جسم للإشعاع الشمسي (الضوء الطبيعي) فان الجانب
المعرض مباشرة للشمس يكون مضيئا، أما الجانب الآخر من الجسم الذي
ليس في مواجهتها فيكون واقعا في الظل، فعلى سبيل المثال لو وضع أي
مجسم هندسي معرضا للشمس فإن النصف المعرض للشمس يكون مضيئا أما
النصف الآخر فيكون في الظل ويطلق عليه الظل الحقيقي(12) أي الذي
يلقيه بنفسه على نفسه، ثم نجد أن هذا الجانب المظلل من المجسم
الهندسي يقوم بإلقاء ظل على الأرض أو أي مستوى أو جسم آخر وهو ما
يعرف باسم الظل الساقط(13) أو الظل الظاهرى ، شكل (1).
|
 |
|
شكل (1): أسلوب
تكون ظلال الأشكال المجسمة نتيجة تعرضها للإشعاع الشمسي
المباشر. |
أما بالنسبة
لأسلوب حركة الظلال بصورة عامة، فيمكن أن يتضح بمراقبة ظل جسم أو
شاخص معرض للإشعاع الشمسي، حيث نرى أن الشمس عند طلوعها صباحا من
جهة الشرق وحتى منتصف النهار (الزوال) فان ظلال الأجسام تقع جهة
الغرب، فإذا اتجهت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي (جهة
الغرب) وقعت ظلال الأجسام في الجانب الشرقي(14)، شكل (2-أ).
ويلاحظ أيضا أن أطوال الظلال تكون أكبر مايمكن عند شروق الشمس ثم
تبدأ في التناقص كلما ارتفعت الشمس في السماء، حتى تصل إلى وسط
الفلك (وقت الظهيرة تماما) وفى هذه الحالة نجد أن ظلال الأشياء على
اختلافها تكون أقل مايمكن، ثم بعد انتقال الشمس إلى جهة الغرب تبدأ
ظلال الأشياء في الازدياد مرة أخرى إلى أن تصل إلى أقصى طول لها
وقت غروب الشمس، ارجع إلى شكل (2- ب).
 |
 |
|
شكل (2-ب): حركة
الظل من الغرب إلى الشرق يتزامن ويتلازم مع امتداد الظل
وانقباضه. |
شكل
(2-أ): حركة الظلال بانتقالها من جهة الغرب والى جهة الشرق
على مدار اليوم. |
وتوجد علاقة
وطيدة بين زوايا ارتفاع الشمس في السماء وطول الظلال الملقاة على
الأرض أو المستويات المختلفة، فكلما كانت زاوية ارتفاع الشمس قليلة
(منخفضة) فان أطوال الظلال الملقاة تكون كبيرة وهو مايحدث عند طلوع
الشمس أو عند غروبها، وكلما كانت زاوية ارتفاع الشمس كبيرة (عالية)
كلما قل طول الظلال الملقاة على الأرض، حيث يكون أقل طول للظلال
وقت الظهيرة تماما (الزوال)، أي أن العلاقة بين الشمس والظلال
وطيدة ومتلازمة فبمقدار مايزداد أحدهما ينقص الآخر، وكما أن
المهتدى يهتدي بالهادي والدليل يلازمه فكذا الظلال كأنها مهتدية
وملازمة للأضواء فلهذا جعل الله سبحانه وتعالى الشمس دليلا عليها.
4- من أوجه
الإعجاز العلمي في آيات الظلال:
4-1 الدقة العلمية
وشمولية وصف حركة الظلال:
اتضح لنا أن ظل أي
شيئ أو جسم في الطبيعة يتحرك حركتين أساسيتين متلازمتين ومتزامنتين،
ألا وهما حركة انتقال الظلال من جهة لأخرى مع حركة الامتداد أو
الانقباض، ولكن نلاحظ أن القرآن الكريم قد نهج نهجا رائعا في توضيح
أسلوب حركة الظلال، من خلال ثلاث سور قرآنية وهى بترتيب وجودها في
المصحف الشريف: الرعد، والنحل، والفرقان.
فقد أوضح الله سبحانه وتعالى أسلوب حركة الظل إجمالا في الآية
الخامسة عشر من سورة الرعد، حيث يقول جل في علاه:" ولله يسجد من في
السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال"، حيث ذكر ظلال
الأشياء في الغدو (أول النهار) وظلالها في الآصال (آخر النهار).
وكما هو معروف فان ظلال الأشياء بالغدو تكون جهة الغرب وظلال
الأشياء بالآصال تكون جهة الشرق، كما أن ظلال الأشياء تكون أطول
مايمكن في هذين الوقتين مقارنة بباقي ساعات النهار، وهذا يعنى أن
تحديد الآية الكريمة وذكرها لظلال الغدو والأصال بالذات قد أشار
وجمع بين حركتي الظل المتلازمتين والمتزامنتين في نفس الوقت، وهما
حركة الانتقال من جهة لأخرى، والحركة بالامتداد والانقباض.
ثم نجد أن القرآن الكريم يقوم بتوضيح وتفصيل هاتين الحركتين
المتلازمتين، حيث قام بوصف وشرح ما يمكن أن نصطلح على تسميته
بالحركة الأولى للظل في سورة النحل، وقام بوصف وتوضيح ما يمكن أن
نصطلح على تسميته بالحركة الثانية للظل في آيتين من سورة الفرقان،
وفيما يلي توضيح ذلك طبقا لما ورد في القرآن الكريم:
أ- تفصيل وتوضيح
الحركة الأولى:
يقول الله سبحانه
وتعالى: "أو لم يروا إلى ماخلق الله من شئ يتفيؤا ظلاله عن اليمين
والشمائل سجدا لله وهم داخرون" (النحل: 48)، ففي الآية الكريمة
توضيح وتأكيد على انتقال الظلال من جهة لأخرى، وهو ماعبرت عنه
بتفيؤ الظلال عن اليمين والشمائل، أي برجوع الظلال وانتقالها من
جهة الشمال (الغرب) إلى جهة اليمين (الشرق)، وفى هذا إشارة صريحة
وواضحة على حركة الظلال بانتقالها من جهة لأخرى وهو ما جاء إجمالا
في سورة الرعد.
ب- تفصيل وتوضيح
الحركة الثانية:
ويقصد بها حركة
الظلال بالامتداد والانقباض وهو ماعبرت عنه بدقة الآيتين الكريمتين
من سورة الفرقان في قوله تعالى:" ألم تر إلى ربك كيف مد الظل، ولو
شآء لجعله ساكنا، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا، ثم قبضناه إلينا قبضا
يسيرا" (الفرقان: 45، 46)، وذلك لأنه عند شروق الشمس تمد ظلال
الأشياء إلى أقصى درجة ممكنة ومع ارتفاع الشمس في السماء تبدأ
الظلال في الانقباض بفعل نسخ وإزالة الأشعة الشمسية لها حتى تصل
ظلال الأشياء إلى أقصر طول لها وقت الظهيرة تماما، ثم تعود الظلال
في الامتداد مرة أخرى في جهة الغرب إلى أن تصل إلى أقصى طول لها
وقت غروب الشمس ويتم قبضها بدخول الليل.
ولكن يلاحظ أن الآية الكريمة تلفت الأنظار إلى أن الله سبحانه
وتعالى قادر على أن يجعل الظل الممدود ساكنا، أي أن حركة الظل
بالامتداد والانقباض يمكن أن يكون لها استثناء وهو ما سوف نوضحه في
موضع آخر من البحث.
إن النهج القرآني السابق (التفصيل بعد الإجمال) يدل على مدى دقة
الوصف العلمي لأسلوب حركة الظلال وكذلك على شمولية الوصف والتوضيح،
هذا من جانب، ومن جانب آخر فان هذا التفصيل لكل حركة من حركات الظل
على حدة له سبب آخر، يرتبط بوجود دلالات اعجازية قرآنية أخرى
استلزمت اتباع القرآن الكريم هذا النهج السابق، وهو ما سوف يتضح في
المحاور التالية من البحث.
4-2 الإعجاز في
قوله: "يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل":
سنحاول في هذا
المحور من البحث إبراز بعض الملامح الإعجازية في قوله تعالى: "
يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل" (النحل: من الآية 58).
فقد أشرنا في الجزء الخاص بتفسير هذه الآية الكريمة أن المفسرين قد
أوضحوا بأن المقصود من تفيؤ الظلال، أي رجوعها مرة أخرى من جهة
الغرب إلى جهة الشرق وهو ما يتطابق مع مايشاهد في الطبيعة.
ولكننا لو تأملنا وتدبرنا ماورد في الآية الكريمة بدقة فإننا نجد
أن منطوق الآية يشير إلى شيئين: أولهما تفيؤ الظلال عن اليمين،
وثانيهما تفيؤ الظلال عن الشمائل، وهذا يعنى أن الآية الكريمة تشير
إلى رجوع (تفيؤ) ظلال الأشياء عن اليمين إلى الشمال، كما تشير في
نفس الوقت إلى رجوع ظلال الأشياء عن الشمائل إلى اليمين.
وإذا كان المفسرون قد أوضحوا أن المقصود باليمين هو جهة الشرق وأن
المقصود بالشمائل هي جهة الغرب، فهذا يعنى من ظاهر فهم الآية
الكريمة أن ظلال الأشياء ترجع عن جهة الشرق (اليمين) إلى الغرب،
كما ترجع أيضا عن جهة الغرب (الشمال) إلى الشرق، وهو ما يتنافى مع
الواقع المشاهد الذي يؤكد على أن ظلال الأشياء تنتقل وترجع فقط من
جهة الغرب إلى الشرق ولايحدث العكس أبدا بأي حال من الأحوال، فكيف
يمكن تفسير ذلك؟.
كما نعرف فان خط الاستواء ينصف الكرة الأرضية إلى نصفين متساويين
ومتماثلين تماما أولهما هو النصف الشمالي ويبدأ من خط الاستواء
وينتهي عند القطب الشمالي، وثانيهما النصف الجنوبي ويبدأ من خط
الاستواء وينتهي عند القطب الجنوبي.
فبالنسبة لنصف الكرة الشمالي من الأرض فان مراقبة حركة ظلال
الأشياء فيه تستلزم أن نقف مواجهين لجهة الشمال (القطب الشمالي)،
وفى هذا الوضع تكون جهة الشرق على اليمين وجهة الغرب على الشمال،
وبما أن ظلال الأشياء تنتقل من جهة الغرب إلى جهة الشرق فان هذا
يعنى أنها تنتقل من جهة الشمال إلى جهة اليمين، وهو ما يتوافق مع
ما جاء في الآية الكريمة من تفيؤ الظلال عن الشمائل، أي رجوعها من
جهة الشمال إلى اليمين.
أما بالنسبة لنصف الكرة الجنوبي من الأرض فان مراقبة حركة ظلال
الأشياء فيه تستلزم أن نقف مواجهين لجهة الجنوب (القطب الجنوبي)،
وفى هذا الوضع تكون جهة الغرب على اليمين وجهة الشرق على الشمال،
وبما أن ظلال الأشياء في الطبيعة تنتقل من جهة الغرب إلى جهة الشرق،
فان هذا يعنى في هذا الوضع أنها تنتقل من جهة اليمين إلى جهة
الشمال، وهو ما يتوافق مع ما جاء في الآية الكريمة من تفيؤ الظلال
عن اليمين، أي رجوعها من جهة اليمين إلى الشمال.
وهو ما يعنى أن الآية الكريمة قد عبرت بدقة متناهية عن حركة الظلال
من جهة الغرب إلى جهة الشرق في نصفى الكرة الأرضية الشمالي
والجنوبي في آن واحد وبدقة متناهية، باستخدام لفظ اليمين ولفظ
الشمائل إشارة لجهة الغرب فى نصفى الكرة الأرضية.
ويبرز هنا تساؤل هام، لماذا استعملت الآية الكريمة اليمين بصيغة
المفرد والشمائل بصيغة الجمع؟، إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في
أن مساحة اليابسة وعدد السكان في نصف الكرة الشمالي أكبر من مساحة
اليابسة وعدد السكان بنصف الكرة الجنوبي(15)، وهو مايوضح أن ظلال
الأشياء المنتقلة من جهة الشمال لليمين بنصف الكرة الشمالي أكبر
بكثير من ظلال الأشياء المنتقلة من جهة اليمين للشمال في نصف الكرة
الجنوبي، لذلك جاء التعبير في الآية الكريمة عن الشمائل بصيغة
الجمع والتعبير عن اليمين بصيغة المفرد، في وقت لم يكن معروفا فيه
إلا ثلاث قارات فقط (أفريقيا وآسيا وأوروبا)، كما لم يكن معروفا
تقسيم الأرض إلى نصف شمالي وآخر جنوبي، حيث أن اكتشاف أن البشر
يعيشون على كرة أرضية تحتوى على سبع قارات (منها ست معمورة بالسكان)
تأكد بعد نزول القرآن الكريم بعدة قرون، وهذا من دلائل إعجاز الوصف
القرآني لحركة الظلال في الآية (48) من سورة النحل.
4-3 الإعجاز في
التنبيه إلى "مد الظل":
تشير الآية (45) من
سورة الفرقان وتنبه الناظرين إلى "مد الظل" وعلاقة هذا "المد"
بالشمس، حيث يقول سبحانه وتعالى:" ألم تر إلى ربك كيف مد الظل، ولو
شاء لجعله ساكنا، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا".
لكي نتمكن من معرفة وجه الإعجاز العلمي في الآية السابقة فيجب أن
نقوم بدراسة أسلوب "مد الظل" في المناطق المختلفة من الكرة الأرضية،
وسنركز على نصف الكرة الشمالي لأنه يعبر أيضا بدقة عن نفس ظروف "مد
الظل" في نصف الكرة الجنوبي.
وسيكون ذلك عن طريق دراسة طول ظل شاخص ارتفاعه 5م في بعض خطوط
العرض المختلفة (بنصف الكرة الشمالي) بدءا من خط الاستواء وانتهاء
بالقطب الجغرافي الشمالي، وقد روعي في اختيار خطوط العرض أن تكون
ممثلة للمناطق المناخية المختلفة تمثيلا نموذجيا، أي المنطقة
المدارية الحارة (الواقعة بين المدارين)، والمنطقة المعتدلة (الواقعة
بين مدار السرطان والدائرة القطبية الشمالية)، وأخيرا المنطقة
القطبية الباردة.
وقد تم اختيار أيام 21 يونية (الانقلاب الصيفي) حيث تصل زوايا
ارتفاع الشمس فيه إلى أكبر قيمة لها، و21 ديسمبر (الانقلاب الشتوي)
حيث تكون زوايا ارتفاع الشمس في أقل قيمة لها، ويومي 21 مارس
وسبتمبر (الاعتدالين)، كما تم اختيار خمس ساعات يوميا بكل خط عرض
من الخطوط المختارة، وقد روعي في اختيار الساعات أن تكون موزعة
بانتظام على مدار اليوم، الساعة الأولى بعد شروق الشمس والثانية ما
بين الشروق ومنتصف النهار(الزوال)، والثالثة في منتصف النهار تماما،
والرابعة في الوقت ما بين منتصف النهار وقبل غروب الشمس، أما
الساعة الأخيرة فهي قبل غروب الشمس.
وقد تم الاستعانة بأحد برامج الحاسب الآلي الذي يحتوى على معادلات
فلكية تقوم بحساب الزوايا الشمسية وزوايا الظل الخاصة بكل خط
عرض(16)، وعلى أساس مخرجات البرنامج تم حساب طول ظل الشاخص المقابل
لكل ساعة في كل خط عرض مختار باستخدام برنامج كمبيوتر مبسط معد
خصيصا لذلك(17)، والجداول من رقم (1) إلى رقم (3) تحتوى على نتائج
الحسابات السابقة.
|
جدول رقم(1):
ارتفاع زوايا الشمس وأطوال ظل شاخص (ارتفاعه 5م) في خطوط
العرض المختارة، يوم 21 يونية. |
|
الساعة
خط العرض |
8 صباحا (16 ظهرا) |
10 صباحا (14 ظهرا) |
12 ظهرا |
|
ارتفاع زاوية الشمس |
طول ظل الشاخص بالمتر |
ارتفاع زاوية الشمس |
طول ظل الشاخص بالمتر |
ارتفاع زاوية الشمس |
طول ظل الشاخص بالمتر |
|
خط الاستواء
(صفر درجة) |
27.30 |
9.69 |
52.80 |
3.80 |
66.55 |
2.17 |
|
مدار السرطان
(23.5 درجة) |
35.40 |
7 |
62.53 |
2.60 |
90 |
صفر |
| | |